صديق الحسيني القنوجي البخاري
607
فتح البيان في مقاصد القرآن
لم تعص لقوله أنجينا الذين ينهون عن السوء وأنه لم يعذب بالمسخ إلا الطائفة العاصية لقوله : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ فإن كان الطوائف منهم ثلاثا كما تقدم فالطائفة التي لم تنه ولم تعص يحتمل أنها ممسوخة مع الطائفة العاصية لأنها قد ظلمت نفسها بالسكوت عن النهي وعتت عما نهاها اللّه عنه من ترك النهي عن المنكر ، ويحتمل أنها لم تمسخ لأنها وإن كانت ظالمة لنفسها عاتية عن أمر ربها ونهيه لكنها لم تظلم نفسها بهذه المعصية الخاصة وهي صيد الحوت في يوم السبت ولا عتت عن نهيه لها عن الصيد . وأما إذا كانت الطائفة الثالثة ناهية كالثانية فهما في الحقيقة طائفة واحدة لاجتماعهما في النهي والاعتزال والنجاة من المسخ ، وإنما جعلت طائفة مستقلة لأنه قد جرت المقاولة بينها وبين الطائفة الأخرى من الناهين المعتزلين . وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي واسألهم وقت تأذن ربك ، تأذّن تفعل من الإيذان وهو الإعلام ، قال أبو علي الفارسي : آذن بالمد أعلم وأذّن بالتشديد نادى ، وقال قوم كلاهما بمعنى أعلم كما يقال أيقن وتيقن ، وقيل معناه قال ربك وقيل حكم ربك ، وقيل آلى ربك ، وقال الزمخشري : عزم ربك ، وقيل معناه حتم وأوجب والمعنى واسألهم وقت أن وقع الإعلام لهم من ربك . وقيل في هذا الفعل معنى القسم كعلم اللّه وشهد اللّه ، ولذلك أجيب كما يجاب به القسم حيث قال : لَيَبْعَثَنَّ أي ليرسلن عَلَيْهِمْ ويسلطن كقوله : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ غاية لقوله : مَنْ يَسُومُهُمْ يذيقهم سُوءَ الْعَذابِ مما يبعثه اللّه عليهم ، وقد كانوا أقمأهم اللّه هكذا أذلاء مستضعفين معذبين بأيدي أهل الملل . وهكذا هم في هذه الملة الإسلامية في كل قطر من أقطار الأرض في الذلّة المضروبة عليهم والعذاب والصغار يسلمون الجزية لحقن دمائهم ويمتهنهم المسلمون فيما فيه ذلة من الأعمال التي يتنزه عنها غيرهم من طوائف الكفار . وعن ابن عباس قال : يسومهم محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وأمته سوء العذاب أي الجزية والخراج ، وقيل هو بختنصر وسنحاريب وملوك الروم ، وهذا نص في أن العذاب ، إنما يحصل لهم مستمرا إلى يوم القيامة ، ولهذا فسر هذا العذاب بالإهانة والذلة واخذ الجزية منهم فإذا أفضوا إلى الآخرة كان عذابهم أشد وأعظم . ثم علل ذلك بقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ لمن أقام على الكفر يعاجل به في الدنيا كما وقع لهؤلاء وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي كثير الغفران والرحمة لمن آمن منهم ودخل في دين الإسلام .